" الفكر عطية كبرى من الله وأحد عناصر الصورة في الإنسان، لذا لا يجوز الكفر به بحجة ما قد يقع فيه من شطط وغرور"
الله والشر والمصير
"الإنجيل على دروب العصر" - منشورات النور -الطبعة الأولى 1993- ملخص يركز هذا الكتاب على التعرّض لصورة شائعة بين الناس، تشوّه بنظرنا وجه الله تشويهًا فادحًا. إنها صورة إله تُنسب إليه الشرور الطبيعية كالأمراض والمصائب والكوارث، سواء أتمّت هذه النسبة بصورة فظّة كما في التعبير الشعبي الذي يتردد على الألسنة بشكل تمنٍّ: “الله لا يضرّك” (مما يفترض أن الله كائن يُخشى ضرره وأذاه)، أو بالصيغة الملطّفة التي يستخدمها المتنوّرون وهي أن الله “يسمح” بهذه الشرور، وكأنه يتنصّل منها ويغضّ النظر عنها بآن (وكأن هؤلاء، كما أشار أحد اللاهوتيين، يجعلون من موقف الله موقفًا شبيهًا بموقف بيلاطس البنطيّ عندما “غسل يديه” متنصلاً من موت يسوع الذي كان قادرًا أن يمنعه لو شاء)، هذا بالنسبة للشر الطبيعي. أما الشرّ الخلقي، أي الخطيئة، فموقف الله منها، على حدّ الرأي الشائع الذي نحن بصدده، أشبه ما يكون بموقف أحدنا إذا ما لحقته إهانة. فهو يتربص لمرتكبي الخطيئة ويصبّ عليهم جام غضبه وينزل بهم أشد الويلات، ويميتهم “تأديبًا”، وإذا ما أصرّوا على عصيانه “يرسلهم” بعد موتهم إلى جهنم ويعذبهم بالنار بلا رحمة إلى أبد الآبدين. ...
الغيرة الأخوية وتفهُّم الوالدين– “نحن وأولادنا”-الجزء الخامس
"سلسلة نحن وأولادنا"- الجزء الخامس - تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م الطبعة الرابعة 2013 الغيرة الأخويّة شعور بالضيق والعداء ينتاب الولد تجاه إخوة وأخوات يعتبرهم منافسين له على عطف الوالدين وتقديرهم، وتهديداً لما يحتاج إليه من ثقة بالنفس واطمئنان إلى قيمته الذاتيّة. الغيرة الأخويّة هي في الأساس معاناة طبيعيّة لا بدّ أن يجتازها كل ولد يواجَه بوجود إخوة وأخوات إلى جانبه في الأسرة ... إنّها تتأصّل في المنافسة على حبّ الأم. ولكون الولد البكر يكون حكماً وحيداً لفترة من الزمن، فإنّه يتأثّر أكثر من سواه ببروز المنافس الأخويّ. إنّ المظاهر السلبيّة للغيرة موجودة دائماً بشكل أو بآخر، إنّما هي تستفحل إذا انحرفت الغيرة عن أشكالها السويّة. ويلخّص الكاتب هذه المظاهر السلبيّة بثلاثة عناوين: العدوان السافر كالاعتداء والمشاجرات، العدوان المكبوت كالعناد والعصيان والاكتئاب، والنكوص إلى مراحل طفوليّة بدائيّة كالامتناع عن الأكل والبوال والتخلّف المدرسيّ. أما السؤال الأهم فهو كيف نواجه الغيرة الأخويّة؟ لا بدّ في سبيل ذلك من أن يتّخذ الوالدان من ولدهما الغيور مواقف يفصّلها الكاتب عن طريق معالجته لعشر نقاط أساسيّة، نذكر منها: - أن نعدّ الولد لمجيء "الدخيل" - أن لا نرتاع أمام الغيرة التي يبديها أولادنا - أن نُشعِر الولد بأنّه مسموح له أن يغار وأن يعبّر عن غيرته بشكل معقول - ... الغيرة الأخويّة ظاهرة بالغة الإزعاج للوالدين، ليس فقط لما يرافقها من اضطراب وسلبيّة في سلوك الطفل، بل لأنّها تصدّع أيضاً الصورة المثاليّة التي يميلون إلى رسمها عن طبيعة العلاقة الأخويّة، والتي يرغبون في أن يروها مجسّدة لدى أولادهم! غير أن هذه المطالبة اللاواقعيّة التي كثيراً ما ينقاد إليها الوالدون من حيث لا يدرون، تزيد وضع أطفالهم الغيورين تعقيداً. ويختم الكاتب خلاصة كتابه هذا بقوله: "إن غيرة أولادنا هي من أهمّ وسائل تربيتهم لنا على رحابة الصدر وهدوء الأعصاب!" ...
المرأة في موقعها ومرتجاها
"دراسات مسكونية" – منشورات النور – الطبعة الثانية-2000 ملخص الكتاب الحاضر، الذي نرجو أن يكون الأوّل في سلسلة تستمدّ عناصرها من “ندوة الثلاثاء” هذه، يجمع مواضيع تمحورت حول المرأة. ولا عجب أن نرى هذا الموضوع يتكرّر، بأشكال ومن زوايا مختلفة، بين الأسئلة التي طرحها الشباب. فموضوع المرأة من مواضيع الساعة. ولا بدّ للشباب الذين هم، بطبيعة عمرهم، منفتحون على كلّ جديد، من أن يتحسسوه، بخاصّة في مجتمع إنتقاليّ كمجتمعنا حيث تتصادم بحدّة وصخب المواقف التقليديّة الموروثة وتيّارات الحداثة. وليس بالأمر المستغرب أن يحتدم هذا التصادم بنوع خاصّ في موضوع المرأة، لأنّه موضوع يمسّ كلّ إنسان في صميم كيانه- إذ يضع على المحكّ تصوّره لجنسه وللجنس الآخر وللعلاقة بينهما، علمًا بأنّ الجنس يمتدّ إلى جذور الشخصيّة ويطبع كلّ أبعادها – ولأنّه محاط بهالة من القدسيّة بسبب تداخله مع الأعراف الحضاريّة والمعتقدات الدينيّة. من هنا اقتضى بحث الموضوع بأقصى درجة ممكنة من الصفاء والموضوعيّة، خوفًا من الانزلاق وراء الأفكار المسبقة والانفعالات والتشنّجات – وما أكثر احتمال حدوثها في هذا المضمار – ممّا لا يعني أن يبقى المرء “محايدًا”. إذ لا قَبِلَ له أن “يعلو” فوق صراع يمسّه بالحقيقة، شاء أو أبى، في صميم إنسانيّته، ولا بدّ له تاليًا من أن يتّخذ فيه موقفًا، إنّما مع الحرص الشديد على أن يأتي هذا الموقف واعيًا ومسؤولاً ومنفتحًا ومتّزنًا. طبعات أخرى: مجلس كنائس الشرق الأوسط ، القاهرة -الطبعة الأولى ...
مدخل الى علم النفس
"علم النفس" لفظة لها مدلولات مختلفة. انه أولاً تعبير عن خبرة معاشة وعملية. بهذا المعنى هو علم قديم كقدم الحضارة الانسانية، يرتكز على الخبرة وليس على النهج العلمي. لقد لعب دوراً اساسياً في كافة العلاقات البشرية (اجتماعية، عائلية، عاطفية، تجارية، سياسية ودبلوماسية). لقد قيل ان اول اختصاصي نفسي هو اول دبلوماسي لأنها تتطلب حاسة نفسية مرهفة جداً. هذا النوع من علم النفس قد ألهم الكتّاب الكبار (روائيين، مسرحيين، أو كتّاب السير الذاتية) انطلاقاً من معرفتهم لنفسهم ولنفوس الغير. ومن الوثائق المهمة هي اعترافات اوغسطين لما فيها ولها من أهمية في استقصاء عمق النفس البشرية. كذلك اعترافات روسّو. لقد عبّروا في كتاباتهم عن هذه الأعماق النفسية بشكل استبقوا فيه علم النفس العلمي. وهذا ما أكّده فرويد. لقد اعتمد فرويد على كتابات الكتّاب الكبار، بحدسهم اكتشفوا مكنونات العقل الباطن.
عناد الولد وسلطة الوالدين– “نحن وأولادنا”-الجزء الثاني
- "ذكيّ وعصبيّ، ورش وعنيد". - "مشكلتنا أنّ ابنتنا عنيدة ولا تسمع الكلام من أوّل مرّة. فلماذا؟" كم من مرّة صدرت عنّا هذه التساؤلات؟ كيف يُمكن معالجة الطفل العنيد وهل يجب أن نعاكسه، أم نتركه يفعل ما يريد؟ العناد سلوك يعبّر عن نزعة عند الولد إلى مخالفة الوالدين وتأكيد مواقف له ... العناد مزعج في أغلب الأوقات، إنّما له دور إنمائي ذو وجهان: تأكيد لتمايز الشخصيّة النامية واختبار لقدراتها الناشئة. لكن قد يتّخذ العناد شكلاً مفرطاً، إن من جهة حدّته، أو من حيث امتداده الزمنيّ. في هذه الحال ينبغي لنا، بدل التركيز على هذه الظاهرة بحدّ ذاتها، أن نُدرك أن ولدنا إنّما يتّخذها لغةً يعبّر بها عن ضيقٍ ما يعاني منه. ومن أجل ألّا تتحوّل رعاية الوالدين للأولاد إلى تحكّم من القوي بالضعيف الذي يؤدّي إلى العناد بشكل شبه حتميّ كدفاع مستميت يمارسه الولد عن كيانه الشخصيّ، بنبغي لسلطتنا الوالديّة أن تتقيّد بشروط أساسيّة، ومنها: أن نمتنع عن الإفراط في إصدار الأوامر، أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانيّات الولد وفقًا لمرحلة عمره، بالإضافة إلى شروط أخرى يفصّلها الكاتب في كتابه القيّم هذا. إنّ موضوع العناد، كما وأية مشكلة تربويّة أخرى، لا يعني الولد وحسب، إنّما هو يعني في الصميم تلك العلاقة القائمة بيننا وبين ولدنا. من هنا يستدرجنا موضوع العناد، وبشكلٍ طبيعيّ، إلى مواجهة موضوع نمط علاقتنا بأولادنا على وجه العموم، وبشكلٍ أخصّ موضوع نوعيّة السلطة التي نمارسها حيالهم! كل هذا يقودنا إلى السؤال الأساسيّ الذي عبّر عنه الكاتب في خلاصة الكتاب: "هل أنّني أعامل فعلاً أولادي وفلذات كبدي، على حبّي الكبير لهم، هل أعاملهم كما أودّ أنا أن أُعامَل من حيث المراعاة والاعتبار والكرامة؟" هذه المجموعة، المنطلقة من تساؤلات الأهل، تحاول أن تقدم لهم جوابًا مقنعًا وشافيًا عن هواجسهم التربوية، مستندًا إلى خبرة المؤلف كوالد ومرشد تربويّ وإلى تخصّصه النفسي. إنها تسلّط الضوء على طبيعة المواقف التي يتخذها الوالدون تلقائيًا في سياق حياة الأسرة، والتي تؤثّر سلبيًا، من حيث لا يدرون أحيانًا، في سلوك أطفالهم، وذلك بغ...
كيف نواجه أسئلة أولادنا عن الجنس؟– “نحن وأولادنا”-الجزء السادس
"سلسلة نحن وأولادنا"- الجزء السادس - تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م الطبعة الرابعة 2013 من أين يأتي الطفل؟ كيف يولَد الطفل؟! يلاحظ المرء بسهولة الارتباك الذي يبديه الوالدون حيال الأسئلة التي يعبّر بها أولادهم عن اكتشافهم للجنس واهتمامهم بمعرفة أسراره. وممّا لاشكّ فيه أن هذا الارتباك يفسّر إلى حدّ بعيد إحجام الأهل عن إعطاء أولادهم المعلومات التي تتعلّق بالجنس وإهمالهم لهذا المجال من مجالات التربية، رغم أهمّيته الحيويّة. أمّا أسباب هذا الارتباك، فيمكن أن نجملها بالأمرين التاليين: أولهما أن أسئلة الولد عن الجنس تضع على المحكّ موقف الوالدين الشخصي العميق من هذا الموضوع وتكشف الاضطراب الذي يشوب هذا الموقف؛ والثاني صعوبة تصوّر الوالدين لحقيقة وجود حياة جنسيّة لدى الولد. إلّا أنّ الأسئلة التي يطرحها الولد عن الجنس ترتدي أهميّة بالغة بالنسبة إليه ... وهو يرغب بإلحاح في أن يأتيه الجواب عنها من والديه. قد يتهرّب الوالدون من الإجابة عن تساؤلات الولد عن الجنس. وقد يتّخذ هذا التهرّب أوجهاً متنوّعة: منها قمع السؤال وتعنيف الولد الذي تجرّأ على طرحه؛ ومنها تجاهل السؤال، وكأنّهم لم يسمعوه، أو إجابة الولد بأنّ "هذه أمور أكبر من عمره" وبأنّه سيطّلع عليها في ما بعد؛ ومنها خداع الولد بجوابٍ مُمَوّه ... والولد لا يقتنع بالجواب الكاذب ويكتشف في قرارة نفسه زيفه ولو تكلّف قبوله وأسكت إعتراضاته عليه إحتراماً لسلطة الوالدين! أمّا النتائج التي تترتّب على إخلال الأهل بتقديم الأجوبة الصحيحة فهي: الكبت الجنسيّ وما يتأتّى عنه من جهة، واختلال ثقة الولد بنفسه وبأهله من جهة أخرى ... وإذا كان ولد ما لا يطرح أبداً أسئلة في هذا المجال، فالسؤال الذي ينبغي لوالديه أن يطرحاه على نفسيهما: ألا يعود السبب إلى كونهما لم يسمحا له، ولو بدون تعمّد منهما وبصورة لا شعوريّة، بطرح تلك الأسئلة؟ ويقدّم الكاتب، في الفصول الثلاثة الأخيرة من هذا الكتاب الشيّق، توجيهات عمليّة بشأن الإعلام الجنسيّ الوالديّ للأولاد، مراحل هذا الإعلام الجنسيّ العائليّ حتى عتبة المراهقة، وكيفيّة توزيع الأدوار بين الأبوين. ...
من يستطيع أن يتكلّم على سيرة هذا الرّجل؟ من يستطيع أن يتكلّم على كوستي بندلي؟ هذا المُربّي بكلِّ معنى الكلمة، هو المُعلّم لا بل الأب. كثيرون يتكلّمون على الكهنوت الملوكي لكن قليلون يعيشونه، كان هو الكاهنَ بامتياز. لماذا؟لأنّه كان صادقاً، إيمانُهُ كان حياتَهُ. هو المُصلّي.. هو الباحث.. لقد جمع بين العقل والقلب.. تكلّم على الأطفال لأنّه كان يحسّ معهم.. تكلّم على الشّباب لأنّه كان يعيش معهم.. لكن كيف عرف كلّ ذلك؟ كيف تممّم كلّ ذلك الإرث الضّخم الذي تَركهُ؟ أنا أقول لكم كيف: لقد حصل على نِعَمِ الله الغزيرة، لأنّه اكتسب فضيلةَ التّواضع. الكلّ يَشهدُ كيف تصرّف في الحرب الأهليّة..ويَعرفُ كيف حَرِصَ أن يبقى في بلدهِ في الأوقات العصيبة.. الكثيرون يعرفون كيف كان يعملُ عَمَلَ راعٍ في رعيّته. هو الذي أنشأ نظامَ الاِشتراكاتِ في الرّعيّة.. هو الذي شجّع السَّهراتِ والإجتماعاتِ الإنجيليّة.. كان أميناً لربِّه حتى النّهاية، مُنكبّاً على الدّراسة، ومُنكبّاً على العمل، مُجاهداً في ما بين شَعبهِ. أين الذين يُنادون بالعيشِ المُشتَرك؟ خُذُوا هذا الرَّجُلَ مِثالاً.
المطران أفرام كرياكوس
القيت هذه الكلمة في لقاء اقامه فرع الميناء لحركة الشبيبة الارثوذكسية في ١ اذار ٢٠١٤ في إحدى حصص علم النفس، أخرج ورقة بيضاء، ولطّخ نصفها بالحبر عشوائيًّا، ثمّ طواها فانطبع على نصفها الثاني الشكل الذي اتّخذه مسيل الحبر. ثمّ راح يعرضها بحالتها الجديدة على الطلاب، ويسألهم عمّا توحي به إليهم، حتّى إذا وصل إليّ، سألني بصوته الودود: Qu’est-ce que vous inspire cette figure? :فأجبته Deux formes symétriques :فامتعض... وقلّما كان يمتعض... وعلّق، بتهذيب شديد
القيت هذه الكلمة في لقاء اقامه فرع الميناء لحركة الشبيبة الارثوذكسية في ١ اذار ٢٠١٤ نقرأ في سفر الخروج: «تكونون لي كهنوتًا ملوكيًّا وشعبًا مقدّسًا» (19: 6). من يعرف كيف عاش هذا الرجل عضويّته في الكنيسة، يفهم هذا القول الكتابيّ. لا تفهم هذه الآية إلاّ بإطار الوحدة العضويّة التي تجمع الله بأبنائه وأعضاء الجسد بالرأس، ورأسنا هو المسيح الملك والكاهن. «فمن الضروريّ- يقول أحد المفسّرين القدماء- أن تكون لهم هم المولودون من الملك، الملوكيّة، وهو المولودون من الكاهن الكهنوت». كوستي بندلي كاهن وملك. لمن لا يفقه شيئًا عن الكهنوت الملوكيّ أقول: إقرأ سيرة كوستي بندلي في رعيّته فتغدو لا عارفًا لهذا الكهنوت وحسب بل معلّمًا فيه. الكنيسة المحلّيّة، رعيّة الميناء هذه، كانت
"التربويّ" أو "المُربّي" صفة ملازمة لكوستي بندلي مُلازمة النعت لمنعوته، فكأنّ بينهما تماهيًا. فالرجل مُربٍّ بالفطرة، والتربية عنده حِسّ وذوق قبل أن تكون علمًا وتِقانة أكاديميّة. ذلك بأنّها موهبة خصّه اللَّه بها أو، قُلْ، هي عنده فيض ناسوت مفطور على الحبّ، مرهف، وحسّاس للإنسان، كلّ إنسان، في أحواله جميعًا. ولما جعل التربية رسالته المهنيّة
قراءة لكتابات كوستي بندلي في الإيمان المسيحيّ ولدت في عائلة مسيحيّة أورثوذكسيّة "تقليديّة"، أي أنّني لم أكن أعرف من الكنيسة سوى عيدَيْن: "الميلاد" و"العيد الكبير" الذي لم أكن أعرف أنّ إسمه الفصح في صغري. كنت أعرف أنّ الله موجود. لكنّ لقائي الأوّل بالله على حدّ ذاكرتي كان في تأمّلاتي في حوالي العاشرة من العمر في سرّ الكون، في سرّ الخلق. ما زلت أذكر ذهولي الكامل حينما حاولت أن أعود في خيالي إلى أسباب الوجود، فنحن أتينا من الأرض، والأرض من الشمس، والشمس من...إلخ، حتّى وصلتُ إلى الله بادئ الوجود، وتساءلت ماذا لو لم يكن الله موجوداً ماذا كان سيكون الوجود؟ بل كيف يمكن للوجود أن يكون؟ بل كيف يمكن للاّوجود أن يكون (إذ بدون الله حتّى اللّاوجود غير ممكن الوجود)؟ وهنا وصلت إلى حافة قدرات دماغي ودخلت في ذهول طعمه لا يزال في قلبي إلى اليوم. لكنْ بقي لقائي الشخصيّ بالله سطحيّاً، بقي لقاءً نفعيّاً، أصلّي له مقابل طلبات لتحقيق الأماني، بقيتُ أتعامل معه تعاملاً مشبعاً بالفكر السحريّ، تعاملاً محرّكه الاستيلاء على الألوهة أو مراعاتها بالصلاة
منذ شبابي، أكرمني الله بمحبة كوستي بندلي و نفعني بعلمه. قرأت كتبه، وفي مقدمها كتاب حياته وهو أجمل ما كتب وأغنى. وعرفت صفاءه الروحي ولطفه وتواضعه. لم تبعده سعة اطلاعه عن احد من خلاّنه او مريديه بل حمّلته اسئلتهم وهواجسهم. ولعله كان يبحث عنها لا في الحوار الدافئ فحسب بل في في عيون الشباب الحائرة وطرق البالغين المتعرّجة اوفي مساعي هولاء واولئك المتعثرة. رجل صلاة كان، اي رجل ايمان قويم. لم يحسب نفسه يوما حارسا للعقيدة وكأنها ملك يديه تسوّغ ادانة الغير، تقصي بدل ان تقرّب. بل دخل من الباب الضيق للسير نحو تجليّات الحق والخير والجمال حيث ما تكشّفت له، في الكنيسة وخارجها. وذهب من المعرفة، وهي عنده غزيرة، الى الحكمة. توسّل العلوم الانسانية طريقا الى مقاربة سر الانسان ومعها تنزيه الله عن الكثير مما يوصف به او يقال عنه. حمل الانجيل بيد وتواريخ الناس وقصصهم بيد أخرى. قرأ معاني الثانية حينا، ومراميها حين آخر، في مرآة الأول. وما ارتضى السهولة في كل ذلك. فبعض الأنجيل يحتجب وراء نواقص التفسير وتجمدّه خارج سياقات حيواتنا. لكن انواره تفتح امام الأعين احتمالات وفرص تمتحن الشهادة المسيحية، يوما بعد يوم، وتشقّ مسالك جديدة. رافقتني افكار كوستي بندلي. امسكت بي ولم افلت منها. حسبي ان أذكر منها مساهمتان
القيت هذه الكلمة في لقاء اقامه فرع الميناء لحركة الشبيبة الارثوذكسية في ١ اذار ٢٠١٤ تغيب عنا يا معلّم، جسمًا وجسدًا، وتحضر فينا روحًا وفكرًا. ما حسبنا موتك إلاّ سفرًا في الأبديّة، أنت الذي كنت تشخص إلى المطلق صباحًا ومساءً، بين صلاة وتأمّل وتفكّر. عرفنا فيك المسيحيّ الحقّ الصالح المحبّ، فرشفنا من معين محبّتك التي لا تنضب ومن جوهر طبيعتك الملأى تواضعًا وزهدًا ومودّة: «ولتجدنّ أقرب الناس مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون». صفات قلّ نظيرها بين البشر، تعمّقت في أغوار نفسك وتصعّدت في أوتار وجودك فتوحّد فيك اللاهوت والناسوت، فلم تعرف ازدواجيّة الشخصيّة فكان مسلكك واحدًا طيّبًا في كلّ أحوالك. من أين أتاك كلّ هذا الإخلاص فأخلصت وجهك لله ربّ العالمين، فإذا هو في قلبك المؤمن نبع نمير، ركّز فيه فصيّرك تقيًّا نقيًّا، ويا معلّم لا يبارح طيفك ذاكرتي فأستشعر أنسًا يملأ عليّ كياني. نحن طلاّبك جيل الخمسينيّات من القرن العشرين الملتهب وطنيًّا وقوميًّا عربيًّا، تذوّقنا جمالات لغة كورناي وموليير وراسين لأنّ معلّمنا كان اسمه كوستي بندلي. على أنّنا مدينون لك بأكثر من ذلك، لأنّك علّمتنا ما