" الفكر عطية كبرى من الله وأحد عناصر الصورة في الإنسان، لذا لا يجوز الكفر به بحجة ما قد يقع فيه من شطط وغرور"
رحلة في فكر ونهج
تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع م.م. - 2013 في 24 آب 1991، دُعيت إلى إلقاء حديث في لقاء للشباب الجامعيّين نظّمته حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، كعادتها آنذاك، في دير القدّيس جاورجيوس الحميراء. في حديثي أجبت عن أسئلة كان الشباب قد طرحوها عليّ ووردتني مسبقًا. ولفت نظري أنّ الأسئلة الواردة ركّزت، هذه المرّة، على نظرة شاملة إلى فحوى كتبي، كما أنّها اتّسمت بموقف نقديّ صريح من منهجيّتي وطروحاتي. حاولت أن أتجاوب بكلّيّتي مع هذا النقد، وأن أنفتح في أعماقي إلى تحدّيه وأن أعيد، في ضوئه، قراءة فكري ونهجي، وأن أقدّم عنه تاليًا إجابة تُشعر طارحي الأسئلة أنّ انتقادهم أُخذ على محمل الجدّ كلّ الجدّ، وتسمح لهم ولسواهم من الشباب بأن يعيدوا، في ضوئها، قراءة ما كتبته، بعيدًا عن كلّ التباس، وأن يتّخذوا منه، تاليًا، موقفًا أكثر دقّة ووعيًا ومسؤوليّة
الله والشر والمصير
"الإنجيل على دروب العصر" - منشورات النور -الطبعة الأولى 1993- ملخص يركز هذا الكتاب على التعرّض لصورة شائعة بين الناس، تشوّه بنظرنا وجه الله تشويهًا فادحًا. إنها صورة إله تُنسب إليه الشرور الطبيعية كالأمراض والمصائب والكوارث، سواء أتمّت هذه النسبة بصورة فظّة كما في التعبير الشعبي الذي يتردد على الألسنة بشكل تمنٍّ: “الله لا يضرّك” (مما يفترض أن الله كائن يُخشى ضرره وأذاه)، أو بالصيغة الملطّفة التي يستخدمها المتنوّرون وهي أن الله “يسمح” بهذه الشرور، وكأنه يتنصّل منها ويغضّ النظر عنها بآن (وكأن هؤلاء، كما أشار أحد اللاهوتيين، يجعلون من موقف الله موقفًا شبيهًا بموقف بيلاطس البنطيّ عندما “غسل يديه” متنصلاً من موت يسوع الذي كان قادرًا أن يمنعه لو شاء)، هذا بالنسبة للشر الطبيعي. أما الشرّ الخلقي، أي الخطيئة، فموقف الله منها، على حدّ الرأي الشائع الذي نحن بصدده، أشبه ما يكون بموقف أحدنا إذا ما لحقته إهانة. فهو يتربص لمرتكبي الخطيئة ويصبّ عليهم جام غضبه وينزل بهم أشد الويلات، ويميتهم “تأديبًا”، وإذا ما أصرّوا على عصيانه “يرسلهم” بعد موتهم إلى جهنم ويعذبهم بالنار بلا رحمة إلى أبد الآبدين. ...
مجالس الرعايا وبعض متطلبات النهضة الأنطاكية
لكي ندرك أهمية قانون مجالس الرعايا الذي أصدره المجمع المقدس الإنطاكي في 28 تموز 1973، ينبغي ان نعود الى المفهوم الكنسي الأصيل كما تسلمناه من الإنجيل ومن التراث الأرثوذكسي المترسخ في الإنجيل، فندرك عند ذاك ان القانون المذكور انما هو محاولة لاحياء هذا المفهوم الصحيح وتنقيته مما اعتراه من شوائب من جراء ظروف التاريخ وخطايا البشر. بموجب هذا المفهوم تُعتبر الكنيسة عائلة واحدة، هي عائلة المسيح. أعضاؤها كلهم اخوة في المسيح الذي يقول عنه يوحنا الإنجيلي انه "مات ليجمع أبناء الله المتفرقين الى واحد" (يوحنا 11: 51 و52 ). في هذه العائلة كل شيء يجري بالتفاهم والتشاور. صحيح أن في الكنيسة رعاة، هم المطارنة ومن ينتدبوهم من الكهنة. هؤلاء الرعاة لهم مسؤولية خاصة في الكنيسة ومقام خاص أيضاً. انهم بموجب إيماننا خلفاء المسيح والرسل فيما بيننا. بهم يُناط بشكل خاص السهر على سلامة الإيمان والعمل على نشره، كما أنهم مكلفون بإقامة الأسرار التي بها يستمر بيننا حضور المسيح المحيي. ولكنهم، مع ذلك، ليسوا وحدهم الكنيسة. الكنيسة مؤلفة منهم ومنا، من الرعاة ومن الشعب المؤمن. هذا الشعب ليس، في الرؤية الأرثوذكسية، مجرد متقبل للتعليم والإرشاد الصادرين عن الرعاة، انه أيضاً مساهم كل المساهمة في كل ما يتعلق بإيمان الكنيسة وحياتها ورسالتها. انه مناط به أن يشارك الرعاة في حفظ الإيمان ونشره وترجمته حياة وأعمالاً. يطيع الرعاة على قدر طاعتهم للإنجيل ويحاسبهم ان شذوا عنه في التعليم أو السلوك. تلك المشاركة الصميمية بين الرعاة والشعب، تعبّر عنها قاعدة ذهبية اعتمدت في كنيستنا الأرثوذكسية ألا وهي "ان لا يفعل الأخوة (أي المؤمنون) شيئاً دون الأسقف ولا يفعل الأسقف شيئاً دون الأخوة"....
الغيرة الأخوية وتفهُّم الوالدين– “نحن وأولادنا”-الجزء الخامس
"سلسلة نحن وأولادنا"- الجزء الخامس - تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م الطبعة الرابعة 2013 الغيرة الأخويّة شعور بالضيق والعداء ينتاب الولد تجاه إخوة وأخوات يعتبرهم منافسين له على عطف الوالدين وتقديرهم، وتهديداً لما يحتاج إليه من ثقة بالنفس واطمئنان إلى قيمته الذاتيّة. الغيرة الأخويّة هي في الأساس معاناة طبيعيّة لا بدّ أن يجتازها كل ولد يواجَه بوجود إخوة وأخوات إلى جانبه في الأسرة ... إنّها تتأصّل في المنافسة على حبّ الأم. ولكون الولد البكر يكون حكماً وحيداً لفترة من الزمن، فإنّه يتأثّر أكثر من سواه ببروز المنافس الأخويّ. إنّ المظاهر السلبيّة للغيرة موجودة دائماً بشكل أو بآخر، إنّما هي تستفحل إذا انحرفت الغيرة عن أشكالها السويّة. ويلخّص الكاتب هذه المظاهر السلبيّة بثلاثة عناوين: العدوان السافر كالاعتداء والمشاجرات، العدوان المكبوت كالعناد والعصيان والاكتئاب، والنكوص إلى مراحل طفوليّة بدائيّة كالامتناع عن الأكل والبوال والتخلّف المدرسيّ. أما السؤال الأهم فهو كيف نواجه الغيرة الأخويّة؟ لا بدّ في سبيل ذلك من أن يتّخذ الوالدان من ولدهما الغيور مواقف يفصّلها الكاتب عن طريق معالجته لعشر نقاط أساسيّة، نذكر منها: - أن نعدّ الولد لمجيء "الدخيل" - أن لا نرتاع أمام الغيرة التي يبديها أولادنا - أن نُشعِر الولد بأنّه مسموح له أن يغار وأن يعبّر عن غيرته بشكل معقول - ... الغيرة الأخويّة ظاهرة بالغة الإزعاج للوالدين، ليس فقط لما يرافقها من اضطراب وسلبيّة في سلوك الطفل، بل لأنّها تصدّع أيضاً الصورة المثاليّة التي يميلون إلى رسمها عن طبيعة العلاقة الأخويّة، والتي يرغبون في أن يروها مجسّدة لدى أولادهم! غير أن هذه المطالبة اللاواقعيّة التي كثيراً ما ينقاد إليها الوالدون من حيث لا يدرون، تزيد وضع أطفالهم الغيورين تعقيداً. ويختم الكاتب خلاصة كتابه هذا بقوله: "إن غيرة أولادنا هي من أهمّ وسائل تربيتهم لنا على رحابة الصدر وهدوء الأعصاب!" ...
الولد الخجول وتربية الثقة بالنفس – “نحن وأولادنا”-الجزء الرابع
"سلسلة نحن وأولادنا"- الجزء الرابع - تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع م.م الطبعة الرابعة 2013 الولد الخجول ولد وَجِل، يفقد إمكانيّاته حالما يوجَد أمام الغير، فيرتبك محاولاً بكافّة الوسائل أن يصرف الانتباه عنه وأن يحتجب عن الأنظار. إنّ القيام يأيّة مهمّة يصبح لديه صعباً أو مستحيلاً حالما يجد نفسه في جماعة. يتّصف إذاً موقف الولد الخجول بتردّد وعدم ثقة بالنفس، ويعبّر هذا الموقف عن ذاته بمظاهر شتّى تُظهره بادياً للعيان وتزيد بالتالي من تأزّم نفسيّة صاحبه، ومنها: احمرار الوجه، اضطرابات في الأحاسيس والنطق والذاكرة ، التهرّب من العلاقات الاجتماعيّة، وغيرها ... وللخجل أسباب متعدّدة منها ما يعود إلى المزاج، المرتبط بتكوين الولد، ومنها ما يعود إلى مرحلة النموّ التي يجتازها الولد. أمّا أهم الأسباب فهي تلك التي تعود إلى علاقات الولد بمحيطه العائلي وبنوع خاص بوالديه. ويفصّل الكاتب بعض الأسباب العلائقيّة الأسريّة للخجل، نذكر منها: - شعور الولد بأنّه غير مرغوب به - التربية المتسلّطة الساحقة - الاستهزاء بالولد والاستخفاف بقدراته - الاحتضان المفرَط - الاهتمام المفرط لدى الأهل برأي الناس - ... أما في الفصل الثالث، فينتقل الكاتب إلى كيفيّة معالجة الخجل معالجةً جذريّة، بمعنى التركيز على جوهر المشكلة أي على التأزّم عينه، بدل المعالجة غير المجدية للأعراض! السلوك الخجول لا يؤلم الولد فحسب بل أهله أيضاً الذين يتضايقون لرؤية ولدهم عاجزاً، مكبّلاً، هامشيّاً ... من هنا معالجة الخجل - وما هو أفضل بكثير أي تلافيه - يفترضان أن يُدرِك الأهل نمط العلائق الذي من شأنه أن يقود إليه، وأن يراجعوا مواقفهم ويعيدوا النظر في مشروعيّتها على ضوء هذا الإدراك، وأن يسعوا بالتالي إلى تحقيق مناخ ينعش لدى الولد الثقة بالنفس بدل أن يقوّضها، ويجنّبه الخوف من الحياة ومن الآخرين. ...
مدخل الى علم النفس
"علم النفس" لفظة لها مدلولات مختلفة. انه أولاً تعبير عن خبرة معاشة وعملية. بهذا المعنى هو علم قديم كقدم الحضارة الانسانية، يرتكز على الخبرة وليس على النهج العلمي. لقد لعب دوراً اساسياً في كافة العلاقات البشرية (اجتماعية، عائلية، عاطفية، تجارية، سياسية ودبلوماسية). لقد قيل ان اول اختصاصي نفسي هو اول دبلوماسي لأنها تتطلب حاسة نفسية مرهفة جداً. هذا النوع من علم النفس قد ألهم الكتّاب الكبار (روائيين، مسرحيين، أو كتّاب السير الذاتية) انطلاقاً من معرفتهم لنفسهم ولنفوس الغير. ومن الوثائق المهمة هي اعترافات اوغسطين لما فيها ولها من أهمية في استقصاء عمق النفس البشرية. كذلك اعترافات روسّو. لقد عبّروا في كتاباتهم عن هذه الأعماق النفسية بشكل استبقوا فيه علم النفس العلمي. وهذا ما أكّده فرويد. لقد اعتمد فرويد على كتابات الكتّاب الكبار، بحدسهم اكتشفوا مكنونات العقل الباطن.
من يستطيع أن يتكلّم على سيرة هذا الرّجل؟ من يستطيع أن يتكلّم على كوستي بندلي؟ هذا المُربّي بكلِّ معنى الكلمة، هو المُعلّم لا بل الأب. كثيرون يتكلّمون على الكهنوت الملوكي لكن قليلون يعيشونه، كان هو الكاهنَ بامتياز. لماذا؟لأنّه كان صادقاً، إيمانُهُ كان حياتَهُ. هو المُصلّي.. هو الباحث.. لقد جمع بين العقل والقلب.. تكلّم على الأطفال لأنّه كان يحسّ معهم.. تكلّم على الشّباب لأنّه كان يعيش معهم.. لكن كيف عرف كلّ ذلك؟ كيف تممّم كلّ ذلك الإرث الضّخم الذي تَركهُ؟ أنا أقول لكم كيف: لقد حصل على نِعَمِ الله الغزيرة، لأنّه اكتسب فضيلةَ التّواضع. الكلّ يَشهدُ كيف تصرّف في الحرب الأهليّة..ويَعرفُ كيف حَرِصَ أن يبقى في بلدهِ في الأوقات العصيبة.. الكثيرون يعرفون كيف كان يعملُ عَمَلَ راعٍ في رعيّته. هو الذي أنشأ نظامَ الاِشتراكاتِ في الرّعيّة.. هو الذي شجّع السَّهراتِ والإجتماعاتِ الإنجيليّة.. كان أميناً لربِّه حتى النّهاية، مُنكبّاً على الدّراسة، ومُنكبّاً على العمل، مُجاهداً في ما بين شَعبهِ. أين الذين يُنادون بالعيشِ المُشتَرك؟ خُذُوا هذا الرَّجُلَ مِثالاً.
المطران أفرام كرياكوس
. و ما زال أحد الأعمدة دراسة أوّلية حول المفكّر كوستي بندلي مقدمة منذ خمسينات القرن العشرين، وبحماس وإصرار قلّ نظيرهما، وغيرة على شعب يصلّي بصمت وشغف تراتيل ليتورجيّة علّمته إياها كنيسة غنيّة بتراثها وآبائها، وقف "رجل" ليقول إنّ هذا الشعب، الذي رزح لزمن طويل تحت ظروف تاريخيّة سياسيّة صعبة، تُرك وحيداً بسبب ندرة الرعاة الحقيقيّين وصراعات طبقيّة محلّيّة وعائليّة متحكّمة في توجهات الكنيسة، بقي على إيمانه الصّادق والعميق، لكن بسكون تامّ. إنّ لهذا الشعب الحقّ في أن يتعلّم عمق أرثوذكسيّته ويتذوّق بمعرفة حلاوة هذا التراث، بعد معايشته الداخليّة أو الضمنيّة له زمناً طويلاﹰﹰ. هذا الرجل "كوستي بندلي" أستاذي[1] وهبه الله من نعمه الكثير ومنها "نعمة التعليم". فاستحقّ بجدارة "لقب المعلـّم" أي معلـّم الأجيال، نظرا ً إلى ما قام به من تعليم مباشر عبر ندوات وسهرات ذات طابع دينيّ توجيهيّ ورعائيّ، وعبر ما كتبه ونشره بتوقيعه كشخص بارز له وزنه العلميّ، من حيث ثقافته الدينيّة الأرثوذكسيّة الواسعة. ولا بدّ لي أن أشير إلى تعليم غير مباشر يتمثّل بسلوكيّة هذا الرّجل وتصرّفاته ومواقفه المستوحاة من فهم عميق للكتاب المقدّس، سواء كانت مزامير أو حكمة الأمثال أو البشرى السارّة أو حكمة الأنبياء أو الآباء. فأغنÙ...
منذ شبابي، أكرمني الله بمحبة كوستي بندلي و نفعني بعلمه. قرأت كتبه، وفي مقدمها كتاب حياته وهو أجمل ما كتب وأغنى. وعرفت صفاءه الروحي ولطفه وتواضعه. لم تبعده سعة اطلاعه عن احد من خلاّنه او مريديه بل حمّلته اسئلتهم وهواجسهم. ولعله كان يبحث عنها لا في الحوار الدافئ فحسب بل في في عيون الشباب الحائرة وطرق البالغين المتعرّجة اوفي مساعي هولاء واولئك المتعثرة. رجل صلاة كان، اي رجل ايمان قويم. لم يحسب نفسه يوما حارسا للعقيدة وكأنها ملك يديه تسوّغ ادانة الغير، تقصي بدل ان تقرّب. بل دخل من الباب الضيق للسير نحو تجليّات الحق والخير والجمال حيث ما تكشّفت له، في الكنيسة وخارجها. وذهب من المعرفة، وهي عنده غزيرة، الى الحكمة. توسّل العلوم الانسانية طريقا الى مقاربة سر الانسان ومعها تنزيه الله عن الكثير مما يوصف به او يقال عنه. حمل الانجيل بيد وتواريخ الناس وقصصهم بيد أخرى. قرأ معاني الثانية حينا، ومراميها حين آخر، في مرآة الأول. وما ارتضى السهولة في كل ذلك. فبعض الأنجيل يحتجب وراء نواقص التفسير وتجمدّه خارج سياقات حيواتنا. لكن انواره تفتح امام الأعين احتمالات وفرص تمتحن الشهادة المسيحية، يوما بعد يوم، وتشقّ مسالك جديدة. رافقتني افكار كوستي بندلي. امسكت بي ولم افلت منها. حسبي ان أذكر منها مساهمتان
ملاحظات على دور الأدب والنقد الأدبيّ في فكر كوستي بندلي "لقد اجتهد كاتب هذا البحث بأن يكون أمينًا لجوهر التراث الإيمانيّ الذي تسلّمناه، ولكنّه حرص، بآن، على محاولة سكبه في صياغة تتوجّه إلى إنسان اليوم، الذي من حقّه علينا أن نأخذه على محمل الجدّ وأن ننقل إليه كلمة الحياة بلغة يفهمها. لذا، كان لا بدّ من اجتهاد في تأويل التراث يتحمّل الكاتب وحده مسؤوليّته، وهو على كلّ حال مطروح للمداولة والنقاش". هذا المقطع مستقًى من التوطئة القصيرة التي خطّها كوستي بندلي في مستهلّ مؤلَّفه "كيف نفهم اليوم قصّة آدم وحوّاء؟" (ص 5) الصادر العام 1990 عن "منشورات النور". والكتاب توثيق لسلسلة تتألّف من أحاديث ستّة ألقاها بندلي، العام 1988، في ميناء طرابلس، وذلك ضمن إطار ما كان يُعرف بـِ "ندوة الثلاثاء". ماذا يحدو بندلي على التأكيد أنّه وحده يتحمّل مسؤوليّة المتضمَّن في كتابه هذا؟ أليس من البديهيّ أن يكون الكاتب
كوستي بندلي: كتاب … بأقلام الشّباب الدكتور جان عبدالله توما قد يكون من الصعب أن تقرأ كوستي بندلي دون العودة إلى حضوره الشخصيّ في حياة الشباب والاستماع إليهم، في مشاكلهم وقضاياهم، بإصغاء قد لا يتوافر لكثيرين. ولعلّ كوستي بندلي يملك القدرة على الصّبر والأناة في حواراته مع الشّباب متجاوبًا مع معاناتـهم في تركيز واضح على رغبته في ألاّ يكسر أغصانـهم الفتيّة، بل يعمل على تشذيبها بأناة وتواضع. ربّما استمع كوستي بندلي إلى مئات، بل آلاف من الشباب يبسطون أمامه مأزقهم اليوميّ، في تعاملهم مع "السّلطة" الأبويّة منها أو الأمويّة أو المدرسيّة، أو توتّر العلاقة بين الإخوة أو الأصدقاء. وكان هو، بالمقابل، يبسط أمامهم ما تناوله من الكتاب المقدّس وحياة يسوع الشخصيّة، وما غرفه من أمّهات الكتب باللغتين العربيّة والفرنسيّة، ليطلق الشّباب من محدوديّة منطقهم ومنطقتهم أو بلدهم أو فكرهم، إلى عولمة إيجابيّة تأخذ ما هو مفيد، وترذل ما قد يسيء إلى إنسانيّة الإنسان واستعادة دوره النّورانيّ في العلاقة السّويّة القائمة على البيان والتبيين والفهم والإفهام والوضوح والإيضاح. من علائم الكتابة الموضوعيّة أن يترك الكاتب بينه وبين الموضوع مساحة، ليحافظ على الخطّ العلمي. ولعلّ كوستي بندلي
القيت هذه الكلمة في لقاء اقامه فرع الميناء لحركة الشبيبة الارثوذكسية في ١ اذار ٢٠١٤ نجتمع اليوم لذكرى كوستي الحبيب، ولنسترجع معًا بعض ما اختبرناه معه من حياة. نجتمع اليوم، لنستعيد بعضًا ممّا عكسته حياة كوستي علينا من نور. نجتمع اليوم أيضًا، كيلا ننسى وعدنا الصعب له ... وعدنا الصعب لك يا كوستي. ذاك الوعد الذي قطعناه، أمام أنفسنا وأمام الله، بأن نبقى نتحرّك وأن نحافظ على الحركة فينا، وأن نبقى منحازين للحياة والحقّ وسالكين الطريق. صديقي الحبيب كوستي، في الحقيقة أنا أخجل من أن أتحدّث عنك، فأنا على يقين أنّني مهما قلت لن أفيك القليل من محبّتك وجمالك وصداقتك. صديقي، أنا أخجل من أن أتكلّم عليك بعد أن أمضينا أيّامًا طويلةً لا نتكلّم ... ولكن
من الصعب جدًّا أن يُقوّم العمل الجبّار الذي حقّقه كوستي بندلي في وريقات ... بل تلك المكتبة المتكاملة التي سعى إلى تأليفها منذ سنين عدّة، ساهرًا منقّبًا مستطلعًا منصتًا إلى مشاكل الشباب لكي يقدّم لهم الحلول والإرشاد والتوجيه إلى من قال: "أنا هو النور والحقّ والحياة". ولذلك هذا المقال أردته شهادة صادقة لمن كان بالنسبة إليّ المعلّم والقدوة، الذي استفدت جدًّا من تعليمه والذي حثّني على الكتابة بالتشجيع والشرح في شتّى المجالات: الأدب الفرنسيّ وعلم النفس والفلسفة وكيفيّة التعامل مع المراهقين، عندما كنّا نعمل في فرق "طلائع النور"، والتعليق على الإنجيل وشرح العهد القديم، إلى ما هنالك من مواضيع كنت متشوّقة لمعرفتها بخاصّة موضوع التربية الذي برع به. عندما سمعت كوستي بندلي لأوّل مرّة